ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )

42

حجة الله البالغة

ثمَّ بعده اعْتبرت الْهِجْرَة إِلَى النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَن النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عظم أَمر الْهِجْرَة ، وَرغب فِيهَا ، ونوه بشأنها ، وَهَذَا من تَمام التَّرْغِيب والتنويه . ثمَّ زِيَادَة السن إِذْ السّنة الفاشية فِي الْملَل جَمِيعهَا توقير الْكَبِير ، وَلِأَنَّهُ أَكثر تجربة ، وَأعظم حلما . وَإِنَّمَا نهى عَن التَّقَدُّم على ذِي سُلْطَان فِي سُلْطَانه لِأَنَّهُ يشق عَلَيْهِ ، ويقدح فِي سُلْطَانه ، فشرع ذَلِك إبْقَاء عَلَيْهِ . وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذا صلى أحدكُم للنَّاس فليخفف ، فَإِن فيهم السقيم والضعيف وَالْكَبِير ، وَإِذا صلى أحدكُم لنَفسِهِ فليطول مَا شَاءَ " أَقُول : الدعْوَة إِلَى الْحق لَا تتمّ مائدتها إِلَّا بالتيسير ، والتنفير يُخَالف الْمَوْضُوع ، وَالشَّيْء الَّذِي يُكَلف بِهِ جُمْهُور النَّاس من حَقه التَّخْفِيف كَمَا صرح النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ إِن مِنْكُم منفرين " . قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ ، فَلَا تختلفوا عَلَيْهِ ، فَإِذا ركع ، فاركعوا ، وَإِذا قَالَ سمع الله لمن حَمده ، فَقَالُوا اللَّهُمَّ رَبنَا لَك الْحَمد ، وَإِذا سجد ، فاسجدوا ، وَإِذا صلى جَالِسا ، فصلوا جُلُوسًا أَجْمَعِينَ " وَفِي رِوَايَة " وَإِذا قَالَ : ( وَلَا الضَّالّين ) فَقولُوا : أَمِين " أَقُول بَدْء الْجَمَاعَة مَا اجتهده عَلَيْهِ معَاذ رَضِي الله عَنهُ بِرَأْيهِ ، فقرره النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واستصوبه ، وَإِنَّمَا اجْتهد لِأَنَّهُ بِهِ تصير صلَاتهم وَاحِدَة ، وَدون ذَلِك إِنَّمَا هُوَ اتِّفَاق فِي الْمَكَان دون الصَّلَاة . وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذا صلى جَالِسا فصلوا جُلُوسًا " مَنْسُوخ بِدَلِيل إِمَامَة النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخر عمره جَالِسا وَالنَّاس قيام ، والسر فِي هَذَا النّسخ أَن جُلُوس الإِمَام وَقيام الْقَوْم يشبه فعل الْأَعَاجِم فِي إفراط تَعْظِيم مُلُوكهمْ كَمَا صرح بِهِ فِي بعض رِوَايَات الحَدِيث ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّتْ الْأُصُول الإسلامية ، وَظَهَرت الْمُخَالفَة مَعَ الْأَعَاجِم فِي كثير من الشَّرَائِع رجح قِيَاس آخر ، وَهُوَ أَن الْقيام ركن الصَّلَاة ، فَلَا يتْرك من غير عذر وَلَا عذر للمقتدي . قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلنى مِنْكُم أَو لَو الأحلام وَالنَّهْي ، ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثَلَاثًا وَإِيَّاكُم وهيشات الْأَسْوَاق " أَقُول : ذَلِك ليتقرر عِنْدهم توقير الْكَبِير ، أَو ليتنافسوا فِي عَادَة أهل السؤدد ، وَلِئَلَّا يشق على أولى الأحلام تَقْدِيم من دونهم عَلَيْهِم ، وَنهى عَن الهيشات تأدبا ، وليتمكنوا من تدبر الْقُرْآن ، وليتشبهوا بِقوم ناجوا الْملك .